رواية محمود البياتي " رقص على الماء – احلام وعرة "

.

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
09/10/2007 06:00 AM
GMT



رواية " رقص على الماء – احلام وعرة " ، للأديب العراقي محمود البياتي ، تذكّرنا برواية الأديب السوداني الطيب صالح "موسم الهجرة الى الشمال" من حيث قوة الأسلوب وتدفق الأفكار وزخم الأحداث التي تزاوج ، كالحياة ، بين الحلم والواقع. الرواية تسجل ، على نحو أخاذ ، نبضات حي شهير يدعى " همركولاّن " بمدينة غوثنبرغ في السويد ، يضج بالمهاجرين القادمين لأسباب شتى من انحاء العالم وبالاخص العالم الثالث. ويؤكد الروائي والكاتب حمزة الحسن ، المقيم بالنروج ، في مقال بعنوان "احلام محمود البياتي الوعرة" : لا تستطيع سوى موهبة كبيرة ومدربة على ادخال عالم شديد التعقيد من خلال سرد شفاف عفوي لكنه مبني بإحكام ، ويبدو لعفويته ملهماً ومشجعاً على مواصلة التخيل، حيث يصبح القارئ شريكا في حكاية ، وتصبح الحكاية قضية كل قارئ . (1) بينما يؤكد الروائي برهان الخطيب ، المقيم في ستوكهولم ، على التشويق والتوازن والشكل المعتنى به في قصة البياتي الذي ذكّره "بميلان كونديرا ليس مرة " .

لكنه يعترض على اطلاق الناشر صفة (رواية) على الكتاب ، لأنه ، كما يقول : " ليس رواية حقا حسب تعريفها النقدى الواضح ، فلا أشخاصه كثر ، عشرة وربما أزيد ، ولا صفحاته ناهزت الثلاثمئة (2) " فضلا عن قصر جملها . فهي اذن ، كما قال : "القصة القصيرة الطويلة ، وهو نوع له حضوره فى أدب الغرب منذ زمن طويل ، ازدهر على يد المعلم همنغواي ، بل وفاز بهذا النوع من القص عن كتابه "الشيخ والبحر" بجائزة نوبل(2)".

لكن خلافاً لما قال الخطيب فقد شاع بين مؤرخي الأدب ونقاده تسمية "الشيخ والبحر" رواية قصيرة ، وليس قصة قصيرة طويلة. ذلك ينطبق ايضا على بعض ما كتب تولستوي ، كافكا وغيرهما . يقول ربيع جابر في صحيفة "الحياة" الصادرة من لندن "الرواية القصيرة فن صعب" ويتساءل : "هل يجوز تعريف الرواية القصيرة بأنها قصة طويلة ؟ الجواب سلبي" ، ويقدم لنا قائمة بروايات قصيرة : « مطبخ» لبانانا يوشيموتو . «الجميلات النائمات» لياسوناري كاواباتا . «نارا ياما» لشيتشيرو فوكازاوا . « مامة» لباتريك ساسكند . «حرير» لأليساندرو باريكو. «الشقاء العادي» لبيتر هاندكه . «بيدرو بارامو» لخوان رولفو . « يوميات من تحت الأرض " لدوستويفسكي " (3 ) . ويمكننا ان نضيف عناوين عشرات الروايات الشهيرة الاخرى ، بينها مثلا "الكذبة الثالثة" للكاتبة آغوتا كريستوف 175 صفحة ، و "ذكرى عاهراتي الحزينات" لماركيز 91 صفحة ، و "الهوية" لميلان كونديرا 118 صفحة ،
و "الانهيار" لرشيد بو جدرة 95 صفحة.

دعونا نستعرض الآن ملامح الهيكل العام لرواية العراقي محمود البياتي ( رقص على الماء - احلام وعرة ) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت مطلع عام 2006.

تبدأ الرواية بعثور الراوي على محفظة نقود تربكه أخلاقياً . فهو ظل يتأرجح ما بين واجب تسليمها إلى البوليس وطمع الاحتفاظ بها . في سياق هذا الحدث البسيط ترصد الرواية ، على نحو جدي وهازل احياناً ، تصادم الثقافات في المجتمع السويدي الحديث والاوربي ضمناً. نصادف سويديين (ليسو عنصريين بالضرورة) يرفضون دمج المهاجرين ، ومهاجرين يرفضون الأندماج ، مفضلين الانعزال في بؤر تخصهم يشعرون فيها بالأمان ، كالأحياء الثلاثة الشهيرة : رنكبي في العاصمة ستوكهولم ، همركولان في يوتوبوري ، روزينغورد في مالمو.

شخوص الرواية الاساسيون يقيمون في همركولان باستثناء الشيخ سليمان: الراوي، شاعر عراقي \ غادة، رسامة فلسطينية نجت من مذابح صبرا وشاتيلا في بيروت، وهي حبيبة الشاعر العراقي \ سارة، يهودية من بولونيا، حبيبة خوليو \ خوليو، شاب من تشيلي \ آواز، كردية من العراق \ عبدو، عراقي يدرس في جامعة يوتوبوري \ سيد وفيق، عم عبدو، رجل مسن وبسيط \ سليمان، شيخ لبناني غريب الاطوار يعيش بكهف في جبل برمانا. وهناك شخوص آخرون، بينهم : اليزابيث وباربرو من شهود يهوا، فيفيان من الصليب الاحمر، بنيامين موظف في مكتبة المدينة، وغيرهم. يعيش اغلب هؤلاء، الذين يعكسون بعض مكونات عالم المهاجرين والمجتمع السويدي، في حي سئ السمعة "همركولاّن" تنقصه المؤسسات الخدمية والترفيهية، وهو مكتظ بالعرب والكرد والصوماليين واللاتين اميركيين واليوغسلافيين والغجر، مع عدد محدود من السويديين .

يتكون هذا الخليط المتنافر ( والمتعايش ) من لصوص، محتالين، مدمني كحول ومخدرات، اسلاميين متعصبين ومتحررين، دعاة تبشير مسيحي، ومثقفين وفنانين علمانيين.

احلام وكوابيس الراوي ذات مغزى (نفسياً واجتماعياً) تراوده في المواقف الصعبة على الاخص . كأن المهاجر يلجأ لأحلام المنامات واليقظة دفاعا (تعويضياً) عن النفس . فهو يعرب بالاحلام عن الاستياء من التمييز ويحقق بعض الاماني والرغبات . هذا يدل على وطأة الشعور بعجزه عن تخطي العقبات كمواطن . من بين تلك الاحلام : حوار الراوي مع امين المكتبة الذي يكره المهاجرين، محاولات دخول المرقص، لقاؤه بأولف بالما والمسيح والحلاج وماركس . ثم بمسؤولته في دائرة الشؤون الاجتماعية ( income support ) التي تطالبه بتسليم نقود المحفظة وتحاسبه بشدة على حياة البذخ ... في الحلم ! يشير حمزة الحسن ، بهذا الصدد ، الى تنوع وتداخل خطوط الشخوص : " نحن إذ نجد المسيح نجد ماركس ، وحين نعثر على النبي موسى نقترب من النبي محمد، وحين نكون قريبين من مذبحة صبرا وشاتيلا نقف ايضا على شخصية سارة اليهودية وتجلياتها الجسدية واشواقها الانسانية، وحين نبتعد قليلا عن عالم سارة نقترب من عالم غادة الفلسطينية اللاجئة في السويد وهي تعيش ذكرى المذبحة والخ "(1). نرصد تحركات هؤلاء جميعهم ضمن ايقاع (تمبو) حيوي يراه برهان الخطيب كفلم سينمائي: " أن التقطيع السريع للحدث اليومي، والانتقال الدائم من مكان إلى آخر، وعفوية تصرفات أشخاص القصة قرّب النص إلى السينما "، ويرى كذلك: ان البياتى جهد كثيرا فى لملمة أطراف موضوعه، جمعَ الكثير من المعلومات عن المشترك بين الحضارتين الأوربية والإسلامية ووظفها بنجاح فى متن القصة، تلقائيا، فى حوارات أشخاصها وفى المشهد المسرحى الأخير، لمصالحة بين الدين والعلمانية ، نهاية الرواية ، وذلك باستيعاب الثقافة للطرفين ، فى تتويج باذخ على الطريقة الهوليودية فى خواتم أفلامها"(2).

تتطرق الرواية بحياد الى موضوعات مثيرة للجدل (كالشذوذ الجنسي) ، فهي لا تدين ولا تبرئ، وانما تطرح سؤالا علمياً \ سايكولوجياً يكشف عن معاناة فقدان الهوية الجنسية : لا هو ذكر ولا انثى. كما تتضمن مشاهد معارك مع عنصريين : تعرًّض خوليو لأعتداء وهو خارج ثملا من بار ريو ريو. النقاش الصاخب في البار بين الراوي وامين المكتبة العنصري. منع الحارس الراوي من دخول المرقص بحجة عدم ارتداء ربطة عنق.

تنتقد الرواية عموم المجتمع السويدي والمهاجرين على حد سواء. يتجلى ذلك في ملاحظات آواز والراوي السلبية على سكان همركولان مثلا. كما تسلط الضوء على الجانب الانساني في المجتمع السويدي ومحاولات الانفتاح على ثقافات وافدة . يتجلى ذلك في ندوة عن مزايا محمد ( النبي والانسان ) ، في مساعدة مركز الصليب الاحمر للراوي في شؤون عديدة (بينها البحث عن صاحب المحفظة) ، في رعاية زوجة الغجري الذي مات حرقا والكردي الناجي الوحيد من الغرق في اثناء اجتياز البحر بقارب المهربين من تركيا الى اليونان . يمكن القول ان الرواية تتبنى بوضوح دعوة جلال الدين الرومي لامتلاك "الجرأة على الاختلاف" في الفكر والقيم والدين وكل شئ . "ان غادة الفلسطينية جريحة المذبحة ، مثلاً ، لا تشكل نقيضا لعالم سارة اليهودية الباحثة هي الاخرى عن حلمها في عالم جميل ومسالم ... ولا غرابة ان سارة وغادة يمارسان الحب على سرير الراوي الذي يعلن ان الجسد اهم من الايديولوجيا . الجسد هنا ليس الجنس بل الخيارات البشرية العادلة في الفرح والمسرة"(1).

وتنعكس قضية فلسطين وحرب الخليج (1991) في الرواية بالاشارة الى الدبلوماسيين السويديين الشهيرين برنادوت، في المونولوج، وإكيوس في لقاء الشيخ سليمان مع صحفيين، وفي حوارات عبدو والراوي، واخته التي تتلفن من بغداد لتبلغه بتعرض امه لنوبة قلب في اثناء مشاهدتها، في التلفزيون، جنازات اطفال عراقيين ماتوا بسبب حصار الامم المتحدة الذي ادى الى تلوث المياه ونقص الدواء وسوء التغذية. وقد تبدو كنبوءة بما يحدث الان في العراق، من فوضى وارهاب ومجازر، ما قال جد الراوي في المنام (ص 57) : سينشأ جيل بالغ القسوة رضع من اثداء الحروب والحصار.

لا ثوابت ولا حدود مؤكدة في رواية البياتي. كل حدث فيها "ينتج حدثا جديدا، كمن يرمي حجرا في بحيرة ماء فتكبر الدوائر وتتسع لنغطس في عالم مثير ومدهش وشفاف من حكايات طويلة تبدأ ولا تنتهي"(1). حتى المقطع الأخير لا ينهيها، فهو مراوغ ، ابقى كل الأحتمالات ، ارجحها استيقاظ الراوي من النوم على جرس تلفون وسؤال آت من بعيد، من رجل يدعى الفونس (اسم شائع في السويد) يريد ابلاغه بشئ ما (نبأ سئ ؟) عن غادة . هل حدث لها مكروه ؟ هل سقطت بها الطائرة ؟ او انتحرت بعد هذياناتها عن مغارة الشيخ سليمان ؟ كل شئ جائز . نداء التلفون وحديث غادة في الصفحات الاخيرة عن الموت، او خوفها من الموت، يهئ القارئ لذلك. ام ان موضوع المحفظة برمته كان حلماً ؟ كأن الراوي( الكاتب) يخبرنا ان الحياة ، بما تنطوي عليه من ارباح وخسائر، حلم ليس إلا . او كالحلم.

هذه الرواية الممتعة، التي نتناولها على نحو شديد الأيجاز ( وهي تستحق الرجوع اليها بتفصيل اكثر ) تعرض اشكاليات اندماج المهاجرين في المجتمع السويدي والاوربي عموماً، وهي بالتالي تصلح للقراءة كوثيقة في يد مناهضي التمييز على اساس العرق واللون ، وكأدب رفيع المستوى بذات الوقت . وتجدر الأشارة الى ان محمود البياتي سبق وتناول اشكاليات اندماج الفرد في عموم المجتمع ، عربياً و سويدياً ، في قصص قصيرة كذلك، تتسم بالمرح، قرأناها في صحيفة "الحياة"، فضلا عن قصص، ضمها كتاب "اختراق حاجز الصوت " تنبهنا الى الأساسي والضائع والمنسي والعابر، وهي على قدر ملحوظ من التميز حسب رأي القاص المعروف محمود شقير.

يتساءل برهان الخطيب : الرواية ممتعة لي لأني أعرف كاتبها، فهل هى كذلك لغيري ؟ يجيب على السؤال الروائي حمزة الحسن : رواية الكاتب محمود البياتي ( رقص على الماء - احلام وعرة ) لا تعلن اكتشاف موهبة روائية جديدة لأن البياتي تجاوز منذ سنوات اختبار الجدارة يوم قرر بناء تجربته في التخيل بعيدا عن الاضواء لكي يمارس تجربته الروائية بمتعة حقيقية تشكل حدثا سعيدا في الرواية.

* صدرت الرواية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2006